مسجد السوق (بن رزق) في الكويت

ذاكرة مدينة وروح مكان                                                                 بقلم: الباحث عادل محمد الزنكي

مسجد السوق (بن رزق) في الكويت

في قلب الكويت القديمة، وعلى أعتاب السوق الداخلي من جهته الشمالية، يقف مسجد السوق – المعروف قديمًا باسم مسجد بن رزق – شاهدًا على مراحل بناء الكويت وتاريخها الاجتماعي والديني. قبل تشييد المسجد الكبير عام 1986م، كان هذا المسجد هو المكان الذي يجتمع فيه أهل الكويت لأداء صلاة العيدين والمناسبات الدينية، بحضور أمراء آل الصباح وكبار الشيوخ والتجار، مما منحه مكانة مميزة في قلوب الناس.

 

سُمّي بـ مسجد السوق لوقوعه في أول السوق الداخلي، وهو السوق الذي كان يضم مكاتب كبار التجار في ذلك الزمن، وبالقرب منه مقهى «بوناشي» الشهيرة التي كان يجلس فيها أمراء وشيوخ وتجار الكويت. هذا الموقع المميز جعل المسجد جزءًا لا يتجزأ من نبض الحياة اليومية، وملتقى لأهل الكويت قديمًا.

 

تأسس المسجد على يد الشيخ محمد بن حسين بن رزق عام 1752م عند قدومه إلى الكويت، ليكون أول جامع يجتمع فيه أهل المدينة للصلاة، وليجسد روح التعاون بين أبنائها في بناء بيوت الله. وقد مر المسجد بثلاث مراحل رئيسية من التجديد:

  1. المرحلة الأولى (1839م / 1255هـ): قام التاجر الكويتي يوسف الصقر بتجديد المسجد من ماله الخاص، بمشاركة السيدة “بنت دليم” من الزبير، التي ورثت ثروة كبيرة وخصصت جزءًا منها للأعمال الخيرية، إضافة إلى التاجر الهندي “ميمني” الذي ساهم بتزويد المسجد بالمواد الأولية للبناء.
  2. المرحلة الثانية (1936م / 1355هـ): قامت المحسنة السيدة شاهه بنت حمد بن يوسف الصقر بتمويل أعمال تجديد المسجد بالكامل من مالها الخاص، إحياءً لذكرى جدها يوسف الصقر الذي جدد المسجد في المرحلة الأولى. علماً بأن شاهه بنت حمد الصقر تزوجت من الشيخ أحمد بن محمد الفارسي ( الشافعي ) وانجبت له ابن وحيد منها هو حمد، وهي الزوجة الأولى له .
  3. المرحلة الثالثة (1953م / 1372هـ): تولت إدارة الأوقاف العامة إعادة بناء المسجد وتوسعته بالكامل، ليأخذ شكله الحديث في ذلك الوقت، ويستمر في أداء رسالته الدينية.

 

على مر السنين، تولى الإمامة في مسجد السوق عدد من الأئمة المعروفين في الكويت، منهم: الشيخ عبد العزيز محمد العدساني، الشيخ عبد الله بن خالد بن عبد الله العدساني، الشيخ إبراهيم بن عبد الله بن خالد العدساني، الشيخ محمد بن أحمد الفارسي الشافعي، الشيخ أحمد بن محمد القاري، الشيخ عبد العزيز العنجري، الشيخ عبد العزيز قاسم حمادة، والشيخ يوسف بن حسين التركيت.

 

ورغم أن المسجد الكبير أصبح لاحقًا هو المقر الرئيسي لصلاة العيدين والمناسبات، ظل مسجد السوق (بن رزق) محتفظًا برمزيته التاريخية، وشاهدًا على حقبة مهمة من حياة الكويت الاجتماعية والدينية.

 

قال الله تعالى:

﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: 18]

 

وقال رسول الله ﷺ:

«مَن بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا، بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».

 

إن هذا المسجد العريق لم يكن مجرد جدران وأعمدة، بل كان نقطة التقاء لأهل الكويت، وميدانًا للوحدة والرحمة، وذكرى حيّة تذكّر الأجيال بفضل عمارة المساجد وأثرها في توطيد أواصر المجتمع.