“كويت الأمس: دفء القلوب وبساطة الحياة”

“كويت الأمس: دفء القلوب وبساطة الحياة”

“كويت الأمس: دفء القلوب وبساطة الحياة”

 

أجلسُ لأكتب عن أيامٍ كانت فيها الحياة أبسط وأقرب إلى القلب، أيامٌ تسكن ذاكرتي كأنها نَفَسٌ طويل. أتذكّر الكويت في ماضيها الجميل، ليس كأطروحة تاريخية مملوءة تواريخٍ وأحداث، بل كحكايةٍ إنسانية عن ناسٍ يعيشون مع بعضهم بلا تعقيد، مترابطين كأنهم شجرةٌ واحدةٍ أغصانها تتشابك وتحتضن صغارها

 

كانت المجالس -الـ«ديوانية»- بيتًا للناس قبل أن يكون بيتًا للسياسة أو الملك. يدخل الرجل ويحسّ بالراحة كما لو دخل دار أبيه، يُقدَّم له القهوة والتمر قبل السلام، ويبدأ الحديث عن السواحل والبحر والمحصول والجار. وللنساء مجالسهنّ أيضاً؛ جلساتٍ في البيوت تتبادل فيها النساء نصائحهنّ، تحافظن على أسرار العائلة، وتعلِّمن صغارهنّ آداب الضيافة وحفظ القرآن. كان لكل بيت مكانه في الحيّ، ولكل جار حقٌّ محفوظ، والاحترام كان لغةً لا تحتاج ترجمة

 

التعاون كان نَسَقَ الحياة: إن كسرت سفينة صيد أو تعسّ الطقس، يجتمع الجيران لمساعدة من يحتاج، بلا مَنٍّ ولا تأفّف. لا أحدُ يُترَك بلا طعام في ليلةٍ شتاءٍ باردة أو يومٍ جافٍ. كنا نتقاسم الخبر والرزق والهموم، ونعدُّ الصغير فخرًا للعائلة، ونُعطي الكبير مكانته برفقٍ ومودة. هذه الروح أعطت المجتمع أمانًا داخليًا، جعلت الجميع يشعرون بأنهم جزء من كلّ

 

الدين كان نبضَ الأيام؛ المسجدُ لم يكن مكان صلاةٍ فحسب، بل مدرسةً وأمانًا ومجلسًا للنصيحة. القرآن يتلى من صغر الأطفال، والذكر يصدح في المجالس، ومظاهر الزكاة والصدقة كانت فعلًا يوميًّا — ليس بريقًا مرائيًا بل فطرةً تُعلمنا أن نعطف على الضعيف. في رمضان كان الحيُّ يتجمّع بعد الإفطار، وتُروى القصص الدينية، ويزداد التراحم. هذا التمسك بالتعاليم الإسلامية لم يكن قسوةً بل كان طمأنينةً تُرشد السلوك وتشدُّ الأواصر

 

كان الاحترام عنوانًا، لا شعارًا. احترام الكبير، احترام المرأة، احترام الجار والضيف. الألفاظ كانت محسوبة، والابتسامة كافية لتصنع سلامًا بين اثنين اختلفا. وفي مناسبات الزواج والجنازات نرى التماسك يتجلّى بلا مظاهر مبالغَة: حضورٌ مؤثر، همٌّ مشترك، ودعاءٌ يخرج من القلب. تراثنا كان فعلاً حيًّا في طقوسنا؛ في أعراسنا، في أزيائنا البسيطة، في أطايب الطعام التي تُقدَّم كعطية محبة

 

البساطة كانت جمالًا. لم يكن الناس يسعونَ إلى إظهار ثراءٍ ماديٍّ بقدر ما كانوا يسعون للحياة الكريمة والنقاء الروحي. البيت بسيط، الملابس محتشمة، والمشغولات اليدوية تُدلّل على حرفيةٍ وعنايةٍ. الأطفال يلعبون في الأزقة ويكبرون على سُبلٍ تعلمهم الصبر والعمل؛ صفةٌ ترسّخت في النفوس وأثمرت أجيالًا ثابتة

 

أذكرُ أن البحر كان مدرسةً أيضاً: رجالٌ يخرجون للغوص أو التجارة على الجِمال البحرية، يعودون بقصصٍ عن الكرم والمغامرة، ومع كل رحلة كان المجتمع يترقب عودتهم بالدعاء والصلوات. ومع صعوبات الحياة تعلم الناس أن الصبر والإيمان هما مفتاح الثبات، وأن اليد التي تُعطي بلا مقابل هي أسمى من يدٍ تأخذ

 

أكتب هذا الكلام وأنا أحنّ لتلك الأيام، ليس لأنني أرفض الحداثة أو أنكر تقدمَ الحياة، بل لأن في تلك البساطة دروسًا قابلة للحفظ: تُعلمنا كيف نُكرّم الضيف، كيف نُصغي لبعضنا، كيف نجعل من الدين منهجًا رحيمًا يُنير العلاقات لا عبئًا يقيدها. إن التمسك بالقيم الأصيلة لا يعني العودة إلى الوراء، بل هو ذِخرٌ نحمله معنا ونحن نبني مستقبلًا أكثر عدلاً ورحمة

 

أدعو من يقرأ أن يحمل من تلك الحقبة ما يجمّل حياته اليوم: زر جارَك، احفظ عهده، علّم أولادك آداب الضيافة والاحترام، لا تهمل المسجد كبيتٍ للعلم والوقار، وكن سخيًا في العطاء كما علمنا الآباء. دعونا نرتبُّ حياتنا حول رحمة الدين وتراحم الناس، فهما أصلان لا يذويان حتى لو تغيّرت العصور

 

في النهاية، لو عُطيت فرصةً واحدة لأعدّها، لأعدتُ ترتيب أطفالي ومن حولي لنعلمهم سُبل التراحم والوقار قبل كل شيء. فالحياةُ الحقيقية ليست في كِبر الأشياء بل في دفءِ القلوب، وفي حفظِ الروابط بيننا كما حفظها أحبابنا في زمنٍ كان فيه الاحترام والتدين ركيزتين لا تُفترقان